الآلوسي

124

تفسير الآلوسي

بهم حسناتهم عن النار جعلوا هناك حتى يقضى بين الناس فبينما هم كذلك إذ اطلع عليهم ربهم فقال لهم : قوموا ادخلوا الجنة فإني غفرت لكم أخرجه أبو الشيخ والبيهقي وغيرهما عن حذيفة . وفي رواية أخرى عنه " يجمع الله تعالى الناس ثم يقول لأصحاب الأعراف : ما تنتظرون ؟ قالوا : ننتظر أمرك فيقال : إن حسناتكم تجاوزت بكم النار أن تدخلوها وحالت بينكم وبين الجنة خطاياكم فادخلوها بمغفرتي ورحمتي " . وإلى هذا ذهب جمع من الصحابة والتابعين . وقيل : هم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أجلسهم الله تعالى على أعالي ذلك السور تمييزاً لهم على سائر أهل القيامة وإظهاراً لشرفهم وعلو مرتبهم . وروى الضحاك عن ابن عباس أنهم العباس وحمزة وعلي وجعفر ذو الجناحين رضي الله تعالى عنهم يجلسون على موضع من الصراط يعرفون محبيهم ببياض الوجوه ومبغضيهم بسوادها . وقيل : إنهم عدول القيامة الشاهدون على الناس بأعمالهم وهم من كل أمة حكاه الزهري . وأخرج البيهقي وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو الشيخ والطبراني وغيرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن أصحاب الأعراف فقال : " هم أناس قتلوا في سبيل الله بمعصية آبائهم فمنعهم من دخول الجنة معصية آبائهم ومنعهم من دخول النار قتلهم في سبيل الله " . وقيل : هم أناس رضي عنهم أحد أبويهم دون الآخر . وقال الحسن البصري : إنهم قوم كان فيهم عجب . وقال مسلم بن يسار : هم قوم كان عليهم دين ، وقيل : هم أهل الفترة ، وقيل : أولاد المشركين ، وفي رواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم أولاد الزنا ، وعنه أيضاً أنهم مساكين أهل الجنة . وعن أبي مسلم أنهم ملائكة يرون في صورة الرجال لا أنهم رجال حقيقة لأن الملائكة لا يوصفون بذكورة ولا أنوثة . وقيل وقيل وأرجح الأقوال - كما قال القرطبي - الأول وجمع بعضهم بينها بأنه يجوز أن يجلس الجميع ممن ورد فيهم أنهم أصحاب الأعراف هناك مع تفاوت مراتبهم على أن من هذه الأقوال ما لا يخفى تداخله . ومن الناس من استظهر القول بأن أصحاب الأعراف قوم علت درجاتهم لأن المقالات الآتية وما تتفرع هي عليه لا تليق بغيرهم . * ( يعرفُونَ كُلاَّ ) * من أهل الجنة والنار * ( بسيمَاهُمْ ) * بعلامتهم التي أعلمهم الله تعالى بها كبياض الوجوه بالنسبة إلى أهل الجنة وسوادها بالنسبة إلى أهل النار . ووزنه فعلى من سام إبله إذا أرسلها في المرعى معلمة أو من وسم على القلب كالجاه من الوجه فوزنه عفلى ، ويقال : سيماء بالمد وسيمياء ككبرياء . قال الشاعر : له سيمياء ما تشق على البصر ومعرفتهم أن كذا علامة الجنة وكذا علامة النار تكون بالإلهام أو بتعليم الملائكة . وهذا كما روي عن أبي مجلز رضي الله تعالى عنه قبل أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار . واستظهره بعضهم إذ لا حاجة بعد الدخول للعلامة . ويشعر كلام آخرين أنه بعده والباء للملابسة . * ( وَنَادَوْا ) * أي رجال الأعراف * ( أَصْحَابَ الْجَنَّة ) * حين رأوهم وعرفوهم * ( أَنْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ ) * بطريق الدعاء والتحية أو بطريق الإخبار بنجاتهم من المكاره * ( لَمْ يَدْخُلُوهَا ) * حال من فاعل * ( نادوا ) * أو من مفعوله . وقوله سبحانه : * ( وَهُمْ يَطْمَعُونَ ) * حال من فاعل * ( يدخلوها ) * أي نادوهم وهم لم يدخلوها حال كونهم